[rtl]يمكن القول إن سوريا الحالية والتي تُسمى رسمياً (الجمهورية العربية السورية)، ليست سوى كيان أو طفل جديد ناشئ جراء اقتسامات عدة أصابت الجسد الكامل لِما يُسمى "بلاد الشام". فابتداءٍ بالعراق وما كان يسمى (شرقي الأردن)، من ثم فلسطين ولبنان، سوريا، وانطاكيا ، وأخيراً الجولان المحتل. كُل هذه المناطق كان يضمها تفكير قومي يُرادُ به جعل المنطقة موحدة جغرافياً، وتُعبر عن الأمة القومية معنوياً وتاريخياً.
إلا أن هذه الاقتسامات التي شملتها الفترة الاستعمارية المديدة بشقها العثماني والأوروبي، سرعان ما أثرت على الكيانات الناشئة، وخلقت مشكلات في داخل بعضها، لتشكل بكل ما فيها أبعاداً قومية وتاريخية، ناتجة عن حقيقة أنه جاور بناء تلك الدول بناء فرضيات وعقلية كيانات طامحة بدورها للاستقلال أو "الانقسام"! 


تجربة سابقة بمنشأ استعماري!
سوريا الحالية خضعت لتقسيم طائفي هوياتي في زمنٍ ليس بعيداً عن هذا اليوم – أكثر من نصف قرن بقليل-، ودُعم هذا التقسيم من بُنى أهلية متخلفة إقطاعية في معظمها، واستجاب لها الكثير من الأهالي تحت وطأة التخلف والقهر والتبعية الاقتصادية، وطبعاً مع دعم استعماري خفي وعلني في كثير من الأوقات. و لكي لا نُكرر الصيغة البديهية السطحية في أن يكون التقسيم فقط هو ذو منشأ استعماري، علينا الإقرار أن تشكل الهوية الوطنية في سوريا الحالية التي قُسمت أيام الاحتلال الفرنسي لم يكن يحمل من الجدية الفكرية والحصانة النظرية والاستنباط التاريخي ما يجعله أهلاً للمركب القومي أو الوطني الحديث، كما تدعيه الكثير من الكتب التاريخية، والتخمينات الحميمية. 
فكرة تقسيم سوريا قد ألغيت من القاموس السياسي منذ الاستقلال عن فرنسا، ورغم الكثير من المناوشات التي حدثت في مناطق الساحل السوري – العلويين- ضد الحكومة المركزية في دمشق كقضية سلمان المُرشد، والمهاترات السياسية لبعض الشخصيات السياسية إبان الاستقلال في مواجهة المشاكل الطبيعية العادية في مناطق الدروز. فسرعان ما بدأت الحكومات المتعاقبة في سوريا توسع الدولة، وتوسع الدلالة الدراسية وتأثيرها، وتفعل مفهوم الكيان السوري الناشئ، وخاصة في فترة حكم الكتلة الغالبة لخالد العظم والتوافق الديمقراطي الذي انتشر حينها في الحياة السياسية السورية، والدعم السوفيتي الذي كان يثمر عن مشاريع اقتصادية بدأت تكسر الحياة الاقطاعية وسيطرة البُنى المتخلفة على المجتمع السوري.
إلا أن تعاقب المرحلة العسكرية الناصرية، ثم اللجنة العسكرية البعثية ، وأخيراً مرحلة الأسد الأب، قضت على هذا التطور الناشئ الحديث للكيان السوري وجعلته بِلا معنى واقعي.

تقسيمات الأسد الطائفية العميقة! 
بانتقال تفكير الأسد القبلي - الريفي المُشبع بنمط علاقات الإقطاع إلى الدولة، وإلى التحكم بها. لم تعد الدولة قائمة على الكفاءات المهنية، ولا الاستحقاقات الديمقراطية السياسية. بل أصبحت الدولة فسيفساء صنعية من صانع رديء، تتقوم فيها اللوحة على مستوى الانتماءات التابعة للبعث والأقلية الطائفية. والطوائف والكيانات بوصفها حتمية الظهور على المشهد تخصيصاً ووضعاً، لا على قوائم الصلة والتواصل في منابر سياسية وانتقاءات شعبية. واختفت الصفة المُركبة والتي يُمكن تأسيسها لتحويل سوريا واقعياً لدولة ذات معنى وطني هويته منظمة ، ومنتجة تستوفي الهويات الما قبل حديثة والرؤى التاريخية الطائفية إلى كيانات وطنية حقيقة عامة.
النظام وباختصار مكثف قاد البِلاد بتقسيمات طائفية عميقة، تقوم على الإشهارية الرديئة، كُل كيان عليه أن يكون غريباً عن الآخر، تُنظم الدولة احتفاءاته ، وانطباعاته الاجتماعية. خُصص في المؤسسات الأمنية مكاتب مختصة بشؤون الطوائف، وكأن سوريا مزرعة من الطوائف المتنازعة المتصارعة. كُل هذا حتى وصلنا للثورة السورية التي كانت أحد أقسى الاختبارات التي يُمكن أن يتلقاها النظام الذي تحول من حارس لأحادية الطوائف كُلٍ على حِدا، إلى مؤسس لصراع طائفي حطم أركان سورية قاطبة، نازع من المخيلة السورية أي أمل في وطن مستقبلي ، خاصة إذا بقي المنوال على ما هو عليه.

هل بات التقسيم ممكنا؟!
تقسيم سوريا في بداية القرن الواحد والعشرين باتَ أمراً ممكناً، مفترضاً وواقعاً في كثيرٍ من الأحيان. يُطرح على الأرض وليس فقط في فضاءات القول والثرثرة. المناطق التي خرجت من تحت عباءة النظام لن تعود إليها البتة، وليس السلاح فقط ما يُشكلُ هذا البُعد، بل أيضاً يُشكله الواقع. فما فرضتهُ الحالة المُسلحة التي اضطرها الأهالي لحماية أولادهم جعلت المناطق تخضع لتقسيم حقيقي على الأرض، لكن الأول تُنظمه شبه مفهوم دولة، والآخر متروك لتنظيم الأهالي الذين يتعرضون للقصف والإبادة.
هذه المرة اختارت الأورينت أن تختبر الآراء في مسألة التقسيم الوارد حصوله في سوريا من خلال الأهالي، الناس البسطاء والذين هم وقود أي موقف قد تتخذه النخبة وتوجهه وتتلاعب فيه. ورغم الفكرة المنطقية التي يقدمها برهان غليون دوماً على أن الطائفية وأبعادها هي من عَملِ النُخب، فإن استشارة النخب قد أصبحت مُكررة بل ومهترئة. خاصة أن حجم الدراسات والرؤى فاقَ حد الوصف والجمع. لذلك ننتقل بسؤال التقسيم ها هنا إلى البسطاء، العامة المقاتلين التقليدين والأهالي وذوي الضحايا. 

شبيحة "فعس المتظاهرين" كيف يفهمون التقسيم؟!
لا يقدم لنا (ز-م) من الطائفة العلوية (ريف اللاذقية) قائد فرقة مسلحة تتبع للدفاع الوطني، تعداد الفرقة ستين شخصاً. لا يقدم (ز) أي رحمة في أجوبته، مثلاً، فالسؤال الأول الذي وجهناه له، منذ متى بدأت بالدفاع على النظام السوري، فقال لي: منذ اليوم الأول كُنت في طليعة المشاركين لضرب المظاهرات.." ثم سرعان ما استخدم مصطلح "فعس المتظاهرين" ولم تكن صفة (ز) أمنية أو مليشياوية، بل انتدب نفسه للدفاع عن النظام بوصفه مدنياً، " لقد حملت العصا والمسدس للدفاع عن رئاسة بشار الأسد" . لم يشرح لنا الأسباب بشكل منتظم قال لنا في جملة ما قال: " إنها ليست ثورة، لم يقصدوا من كل حركتهم إلا إسقاط الرئيس لأنه علوي شريف"، الغلو في الحديث عن بشار الأسد لا يخلوا من الصبغة التقديسية التطهيرية، خصوصاً أن العلويين وخاصة من الباطلين عن العمل، كثيراً ما تشوهت رؤيتهم لمنظومة الدولة والمجتمع، ولا يشعرون سوى أن وجودهم حق مكفول بيدي عائلة الأسد. وما ينطلي اجتماعياً جراء ثقافة الاستبداد بتسخيف قيمة الذات وحق وجودها وحقوقها المترتبة وواجباتها. من هنا لم لا يشعر (ز) بأي قيمة من قيم المواطنة او الحق، هو لا يُعرف نفسه سوى أنه " علوي الروح أسدي الجسد" على بساطته يستطيع أن يُشير إلى الحالة العامة لأكثرية العلويين في الساحل، فهم لا يشعرون بأي قيمة سورية عامة، فسوريا دون الأسد نقيض لوجودهم. هذا ما عبر عنه (ز) "كل السوريون يكرهون العلويين ويسمعون كلمة أمراء الخليج" هنا تتناقض الرؤية وتتفجر، فما بين وطنية الأسد وموقفه الممانع والمقاوم، وما بين علويته المُحاربة من شيوخ وأمراء السلفية السنيون. لا يثق (ز) بالطبقة الدينية السنية، يقول لي : "كل السُنة يعتبروننا كُفاراً ويتمنون قتلنا كُلنا"، ويبدو على (ز) ارتباك شديد عندما نتحدث له عن علاقة الرئيس الأسد بالطبقة الدينية السُنية، فيسارع ليقول " بشار الأسد يحاول كسبهم لإدارة البلاد من دون وجع رأس..،إلا انه يستحقرهم بالطبع" يتحدث (ز) عن الأسد بوصفه قريباً او صديقاً، وعندما حاولنا تبين مصدر معلوماته قال لنا : أكبر شيخ سني بيجي لعند رئيس الفرع بيرفع رئيس الفرع حذائه في وجهه" وفي ذات الوقت يُعبر لنا (ز) عن رؤيته للمشايخ السنيين " كلهم بدهم مصالحهم، لا يحبون الأسد وتقبيل يده لا يتجاوز المكر والرياء المبتذل والحسون شيعي وليس سًنياً" وحينما سألته عن سُنية الحسون بدقة قال لي " لو لم يكن شيعياً لم احتمله النظام إلى هذا الحد ولا حتى قد أثنى عليه حسن نصر الله" 

وطنية السوريين ووحدتهم مجرد تخاريف! 
تُوضح رؤية (ز) مدى التشوه التواصلي بين السوريين ومدى الكذب الذي يحكم علاقاتهم. ومدى العقلية التي تحكم العلويين فيما بينهم اتجاه الآخر. يحدثني (ز) عن خوف العلويين ببرودة شديدة، الثقة بالأسد وبالطائفة هو هاجسه الأهم والأكثر فاعلية، ولا يثق بكل التخاريف التي يبثها الإعلام الرسمي عن وطنية السوريين ووحدتهم، هو لا يرى كُل ما يجري إلا من منطلق طائفي ومنذ اليوم الأول. 
هذا ما دفعنا لمساءلته عن التقسيم الذي بدا له على شكلين: 
- الشكل الأول "احتياجي": نعيش كعلويين في مناطقنا، ونتحكم بثقافتنا وحياتنا،... لا نحتاج للآخرين معنا في فضاءنا ، فنحن لسنا كفاراً والآخرون يريدون قتلنا.، لقد شتمت الثورة طائفتنا، وما أن وصل السلاح أليهم حتى ضربوا بيوتنا وأراضينا" وسريعاً ما يعود بِنا (ز) للتاريخ القديم وجعله بكل طياتهِ حاضراً، وأي مقاطعة لحديث (ز) عن ظلم العلويين يُشعره بالسأم منا، ويقاطعنا ويقول لقد قتلونا خلال قرون، وقتلونا في الثمانينيات ويقتلوننا اليوم (قاصداً السُنة)، وأشار لنا مراراً عن قطع الرؤوس في فيديو يضعه على جوالهِ. 
- الشكل الثاني "إجباري": أن يكون بالإجبار، حيث أكد لنا أنه في حالة الفشل في وضع حل للمسألة السورية، سيقاتل العلويون للدفاع عن مناطقهم، وسيفاوضون الأخريين على مناطقهم، وأشار لي مراراً " معنا سلاح يكفينا لو حاول أي أحدٍ الهجوم علينا، من سيتجرأ والسلاح كُله بأيدينا"..ولا يشعر (ز) بأي انتماء خارج الانتماء العلوي، بالأحرى قال بالتحديد " كيف سأفكر بسوريا والكل يُريد قتلنا أية سورية وأنا مُحاط بالتكفيريين ، وإن لم يكونوا تكفيريين سيقنعه شيخٌ ما بأننا كفرة" وعندما واجهناه ببعض الجرائم الطائفية التي حصلت، برر لنا سريعاً " علينا أن ننظف مجالنا من السنيين أو من السلفيين الذي يريدون قتلنا" ولا يخفي علينا أبداً مواءمة كلامه لكلام كِبار الضباط في الجيش أو في المنظمة الأمنية ممن قاتل معهم. وللإشارة الدقيقة لا يكمن (ز) عند حديثهِ عن التقسيم أي ذكر للأسد، وهنا يُرى البُعد الطائفي الخالص، فلا اهمية للأسد إن حدث أي تقسيم، فالأسد مهمته الصورية محددة في العقلية العلوية، فبحال التقسيم لن يكون للأسد دوراً كبيراً عند العلويين!

جغرافيا التقسيم العلوية! 
عموماً يبدو التقسيم مريحاً ل (ز) فهو ينقذه من الخوف ولربما من الآخر الذي يبدو عديماً وعدمياً في سوريا اليوم. أما جغرافية التقسيم فهي تُثيره لتصل ب (ز) إلى حدٍ يقول لي فيه "سيكون التقسيم على قدرِ السلاح وما يستطيع أن يحمي من أماكن علوية" أما عن السنة في المدينة فقال " ليبقوا هنا لن نزعجهم مثلما كان الوضع أيام التقسيم الاستعماري الفرنسي، فلم يعتدي أحدٌ عليهم لكن إن فعلوا شيئاً واحداً مؤذياً لحياتنا فليرسلوا إلى جهنم أو إلى أبناء جلدتهم " . 
يقاتل (ز) اليوم في مناطق الساحل السوري فقط ويرفض المشاركة بأي معركة خارج الحدود العلوية على حد وصفه. خاصة بعد سقوط محافظة إدلب كاملة بيد الثوار. ويُكرر " أهلي هم العلويين، وسأدافع عنهم ضد التكفيريين الذي يحتمون بالمجتمع السُني ولن أقاتل من أجل النظام لا في حل ولا في دمشق، ولو حاصروا قصره" لا يسود كلام (ز) على شخصه فقط، هي حالة عامة إلى حد كبير خاصة لدى حملة السلاح، فالإحساس بسوريا الكلية بات مُشيناً ومتعباً. زين يرى التقسيم ضرورة ملحة، ولا يراه مستمسكاً أصيلاً، إلا أنه خيار معنوي نفسي وشديد العقلانية بالنسبة له. وبعيداً عن مظهر الدولة الذي يُحاول النظام الظهور فيه إعلامياً إلا انه عناصره ومقاتليه العلويين لا يملكون أي منطق شكلاني يُساير أبعاد النظام المفترضة. عندما نسأل (ز) عن الإجراء الإداري الممكن اتباعه يُصرح لنا بأن القيادات في البلاد تحاول حماية العلويين في كل سوريا. ويشرح لنا أن صلة الأهالي العلويين بالنظام سهلة، ويمكن استشفاف الخطر سريعاً. وهذا ما جرى عندما سُمح للعلويين –إدلب- دخول مدينة اللاذقية كنازحين وبسرعة تامة . 
في استقصاء عام يبدو حديث (ز) مُكرراً ومُعاداً لآلاف المرات. وهو كلام مسؤول وليس كلاماً سطحياً. في الاعتياد النخبوي الثقافي يحاول الكثر جعل هذا الكلام كلام مجاهيل ورعاع. إلا أن كل المعطيات الرائجة تجعله صلباً ومتجذراً في العقلية السورية للطوائف. ففي البعد الأقلوي يبدو أكثر وجوداً وحقيقة. ويتمثل داخل مؤسسسات تتبع الدولة، وتُدعم منها.

التقسيم كحماية للعلويين! 
وفي حديث منسق مع خمسة معارضين علويين تعرضوا للاعتقال أثناء الثورة السورية – فرع المخابرات الجوية في اللاذقية وطرطوس- جرى وضع تقييمات لطبيعة التحقيق وجدواه وغايته لنصل إلى ثلاث مرتكزات رئيسية. 
يُخبرنا (ع.ر) وهو معارض سوري علوي اعتقل إبان الثمانينات لفترة اعتقال تجاوزت الاثنى عشر عاماً، أن التحقيق معه منذ السنة الأولى للثورة السورية كان مرتكزاً على البُعد الطائفي للحراك، ويُوضح لنا، أن لواء في المخابرات الجوية قد قال له : " ماذا تُريدون من هذه الأعمال، ألا ترى أنهم يقتلون العلوية، وخرجوا لقتلهم" وعندما أجابه (ع) أن البُعد الوطني مطروح في الحراك، وان الثورة تحمل معانٍ تشمل الجميع أسكته اللواء ووجه له كلاماً طائفياً يتحدث فيه عن التقسيم العشائري والولائي، وحطَّ من كراماته ليس بسبب معارضته للنظام بل لمعارضتهِ الطائفة وكرهه لها حسب وصفهِ وفهمهِ لطبيعة ناشطي المعارضة. ولجأ اللواء أيضاً لإحضار زوجة المعارض وشرح لها الأبعاد الطائفية للحراك الثوري وطلبَ منها الضغط على زوجها لكي: "لا يُعارض نظام العلويين".. والتحقيق لا يشمل أعمال المعارض العلوية السياسية، كالنشاط الثوري والسياسي. بل فقط الجانب الهوياتي بكونه علوي ينشط ضد النظام. 
حينما سألنا (ع) عن التحقيق في دمشق فهو اعتقل أولاً في اللاذقية ثم تم تحويله إلى دمشق فقال لنا: " في دمشق الكلام يبدو أكثر معقولية، تختفي الصيغة الطائفية المباشرة، وترتفع الشعاراتية، هذا يعود إلى مستوى المحقق وطائفته، فإن كان سُني الطائفية لا يُشير إلى أي معنى طائفي بالطبع، أما العلويون من المحقيقين فيشرون للبعد الطائفي خفية، وبطريقة ودية ، هذا الكلام على مستوى التحقيق السياسي، أما على مستوى التعذيب فيكون التعذيب مرافقاً لكلمات تحقيرية اجتماعية سببها عدم ولاء العلوي المعارض للنظام"... النظام في بنيته العقابية يؤكد حالة مرسخة لدى العقلية الأمنية العسكرية المسيطرة، أي فكرة حماية العلويين ومركزية وجودهم كمجموعة تُحارب وعليها أن تدافع عن نفسها، سواء في الامتداد السوري أو في البنية الجغرافية الخاصة.
في العقلية العقابية يُمكن استنتاج فكرة التقسيم. فالعقاب حتى في دير الزور يكون تحقيرياً لرؤية عامة لدى أمني النظام بأن الخطر هو على علويي الساحل. هذا ما حدثنا فيه معتقل علوي كان يعمل في دير الزور حينما اعتقل. المعتقل مهندس بترول، وشارك في مظاهرات الدير فبل أن يتم اعتقاله، والظروف العامة العسكرية العامة أعادته إلى مدينة اللاذقية. اعتقال السيد (د.ع) كان بسبب المشاركة في مظاهرة. المساعد الذي حقق معه علوي في فرع المخابرات الجوية في دير الزور، وذلك في الأشهر الأولى للثورة السورية، التحقيق كان طائفياً، :يقولون لي :" تتظاهر مع من يريدون قتلنا،....هل تُريد تسليم البلاد للسُنة القتلة الهمج" هذه الصيغة في التحقيق الأمني كانت تنعكس على السُنيين بطريقة قاسية، تحقير اجتماعي ديني لرموزهم التقليدية، ومعاملتهم كيفما كانت رغباتهم بوصفهم قتلة طائفيين".

يوميات التقسيم الطائفية! 
كل هذا بتطور الأحداث السورية انتقل شيئاً فشيئاً إلى تضييق الانتماء العلوي في ديمغرافية الساحل السوري، وفي جعل التقسيم فكرة منطقية، مكتسبة في السلوك، وستظهر في ضيق الحال. بعد سقوط إدلب تبدو هذه الحوارات منعكسة بشدة. النظام حاول سحب العلويين من قرى إدلب، ومنطقة جسر الشغور. ويبدو التقسيم واراداً في اليوميات، صفحات الموالاة تعجُ باليوميات الطائفية الأكثر وضوحاً. في مقابلة مثلاً مع أرتال المسيحيين الذين أوصلهم إلى اللاذقية اتفاق بين شخصية مسيحية وجيش الفتح قالوا لنا أنهم أثناء سفرهم نحو اللاذقية توقفوا في حمص، وكاد الجيش أن يعيدهم من حيث جاءوا، لكن علمهم بمسيحيتهم جعلهم من المقبولين للدخول إلى مدينة اللاذقية. وجهراً قِيل لهم لو كُنتم سنة لما دخلتم اللاذقية. هذا البُعد يُراعي التدمير الذي يقوم به النظام في المناطق السُنية. فكل منطقة يكون فيها النظام لن تتعرض للتدمير، بالتالي لن تعود للزمن الهمجي. فالنظام ما إن يخسر منطقة حتى يعود بها إلى العصر الحجري، فيحطم كل آثار الدولة فيها، ليجعلها غريبة عن التمدن والحضارة. المدارس المستشفيات وكُل ما يمت بصلة للقطاع العام ، مما يحول الآخر إلى إنسان عفوي، جذري الحقد، وثأري السلوك. بالتالي يُصبح الفكر الإسلامي القَبلي العتيق مطروحاً بشدة، من كونه الوحيد الذي يقف ضد الإبادة الحديثة للنظام السوري ومن خلفه الدولة الصامتة عن ذلك. من ذاكرة الإبادة التي يُشكلها النظام، فيجعل أعدائه شديدِ الحقد، وبِلا أي تفكير عاقل أو منظم، ويدفعه لثأرية مفتوحة وكثيراً ما ينتهي بها المطاف إلى القبول بالتقسيم مثلاً، أو بانتمائهم لمشروع إبادة آخر. 

بوجود الأسد أو غيابه! 
الاجتماع العام للعلويين ينتمي لفكرة مفادها أن الفشل في الانتصار على الآخر خارج أسوار المناطق العلوية لا يعني أن تكون هذه المناطق غير مستقلة، ذلك بوجود الأسد أو بغيابه. ما وصل إليه النظام إبادياً جعل الأعداء كُثر والانتقام مفتوح. في العقلية العامة لدى العلويين لا يُوجد ما يُسمى الدولة خارج سندان آل الأسد وهذا صُلب المُشكلة. وما فعله النظام والعلويون الذين دفعهم النظام ليكون واجهة الحدث فيه سيجعل الأخريين أقل رحمة، والعلويين أكثر دفاعاً.
بِلا أي ريب النظام أسس لهذا الفعل لوجود عقل طائفي عميق فيه، يقوده ويجعلهُ مدركاً هامشياً يكون أساساً ومتناً في أي لحظة. التطورات تفرز دولة علوية، وبالحد الأدنى استقلال علوي ما عن سوريا الموحدة. هذه الأحاديث ليست مجانية، رفض البعض لها استعلاء مرضي، فيه من الرغبوية الساذجة أكثر من الرغبوية السلوكية الإيجابية. ما ننتظره سيكون مرعباً حتماً، شقاء سوريا الكبيرة جداً دائم. الاستقصاء التاريخي عدمي أمام أحاديث بسيطة ومعمقة نحياها الآن. لغة النخبة لا تساوي تحقيقاً واحداً مع صلب النظام وأدواته العُنفية. الجيش يدمر كُل شيء غير علوي، والأمن يُعنف كُل خطر –المواطنين – يُحاول أن يُزيح هذا النظام وبالتالي هذا الجيش[/rtl]