[rtl]التطور المفاجئ الذي طرأ على الموقف التركي على صعيد الملف السوري أثار عاصفة جدل واسعة بين مؤيد ومعارض لدخول القوات البرية التركية وطرف آخررمادي لا يعنيه ما يدور من حوله.

اجتماع الأمن القومي!
قال البيان الختامي لاجتماع الأمن القومي التركي, برئاسة رجب طيب أردوغان رئيس الجمهورية, إن القيادة بحثت المخاطر التي تهدد البلاد, لاسيما تلك القادمة من شمال سوريا, بالإضافة لبحث التدابير العسكرية لللازمة لحماية الحدود.
وعبر البيان عن "قلق القيادة التركية من عمليات التغيير الديموغرافي المنظمة التي تقوم بها المجموعة الإرهابية في شمال سوريا".
هذا على الصعيد الرسمي, أما التسريبات فقد تحدثت عن أن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس جهاز المخابرات والخارجية متفقين على أن تقدم القوات المسلحة التركية لفصائل سورية دعماً لوجستياً, تفاديا لخطر تنظيم الدولة والأكراد الذين يسيطرون على الحدود السورية الشمالية الشرقية, وسيكون هذا الدعم شبيه بالدعم الأمريكي للمليشيات الكردية في (عين العرب) و(تل أبيض).. إضافة لضرب مواقع تنظيم داعش من قبل الجيش التركي جواً أو بالمدفعية الثقيلة من داخل الأراضي التركية.
لكن القوات المسلحة ترى أنه ليس من الممكن قانونياً تقديم دعم لوجستي بشكل سري، وأيضاً طلب استخدام المدافع والقوات الجوية يتم تقييمه على أنه طريقة هجومية وليس للدفاع عن تهديدات خارجية, لذلك من الممكن أن يكون للمجتمع الدولي ردة فعل قوية في حال قامت في هذه الخطوة دون تهديد حقيقي.

سيناريو محتمل!
السيناريو الذي تم تداوله في الصحف التركية هو تدخل عسكري بري جنوب شرق تركيا بمسافة قدرت ب 110 كم, في ضوء التطورات التي شهدها الشريط الحدودي, وعلى وجه التحديد سيطرة وحدات حماية الشعب الكردية على معبر (تل أبيض), وبدء ظهور بوادر دولة كردية ترتسم حدودها مع الحدود الجنوبية الغربية لتركيا, وهذا ما رفضه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رفضاً قاطعاً, وقال في تصريح صحفي أن كفاحه سيستمر لمنع ذلك ممهما كانت التكلفة.

هل أردوغان جاد بشأن التدخل البري في سوريا؟
يجيب الكثيرون بالنفي.. فمنذ الإعلان عن التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة وأمريكا تحاول جر الجيش التركي للدخول إلى "المصيدة" وجعله رأس حربة, لكن أردوغان قرأ جيداً ردود الأفعال والنتائج الكارثية التي ستعود عليه إن رضخ للضغوطات الامريكية.
فهناك إيران على الحدود ومن المحتمل أن ترد على تركيا في إطار الإتفاق الأمني بين طهران ودمشق, وبذلك تجد تركيا نفسها وحيدة في في حرب إقليمية تهدد إستقرارها الأمني السياسي والإقتصادي .
وهذه الحرب ستُشرع الأبواب للمعارضة التركية التي تحاول انتهاز أي فرصة لتقليب الرأي العام الداخلي ضد حزب العدالة والتنمية, الذي خرج مؤخرا بخيبة أملٍ من الإنتخابات البرلمانية التي جاءت بعكس التوقعات.
والأمر الأهم هو أن دخول تركيا إلى الأراضي السورية لمحاربة وحدات حماية الشعب التي تعد الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني ينسف إتفاقية السلام بين تركيا وحزب العمال, هذه الإتفاقية التي جاءت بعد نحو ثلاثين عاماً من الصراع, وأكثر من 45 ألف قتيل بين الطرفين, وخسائر اقتصادية وعسكرية تفوق ال 500 مليار دولار.
يمكن لهذه الخطوة أن تعيد المنطقة إلى فترة الصراع, وتفتح الحرب على عشرين مليون كردي يعيشون في المدن التركية.
بناءً على كل ماسبق ذكره، فإن شكل التدخل سيكون – كما يرجح المحللون- في أعظم أحواله مشابهاً للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة, قصف جوي ضد أهداف داخل سوريا يرافقه قصف مدفعي, بالإضافة لدعم لوجستي لفصائل مسلحة معارضة تكون يد تركيا في الداخل السوري.

ردود الأفعال 
تبايتنت ردود أفعال السوريين حول التسريبات التي تفيد بتدخل عسكري تركي في سوريا, لكن المثير للاستغراب هو صمت الفصائل العسكرية المسيطرة على المشهد السوري, وعدم إيضاح موقفها من هذا القرار.
اقتصرت ردود الأفعال الدولية على تصريح الخارجية الأمريكية, الذي أكد أنه لا يملك أي دليل على نية تركيا والأردن إقامة مناطق عازلة على حدودها, ولم يتطرق البيان إلى مايحدث على الحدود السورية التركية من تعزيز للقوات التركية, وتقدم للقوات الكردية في تل أبيض, ودخول داعش إلى عين العرب مرة أخرى, ونية الحكومة التركية وضع حد لهذه العمليات التي أدت إلى تهجير العرب والتركمان من المناطق التي ينسحب منها تنظيم داعش وتدخلها القوات الكردية.
اللاجئون السوريون بسوادهم الأعظم يرون أن أردوغان هو زعيم الأمة الإسلامية, ويرون ان تركيا وقفت مع الشعب السوري وقفة مشرفة, على عكس الدول العربية التي طردت اللاجئين وأذلتهم, ويرون أيضاً أن الشعب التركي هو الشعب الشقيق والجار, لذلك فإن بوجهة نظرهم أي تدخل عسكري تركي سيكون سبب تخليص السوريين من معاناتهم مع الطيران الذي يرتكب المجازر اليومية, والحد من هجمات تنظيم داعش, وإحباط مخطط تقسيم سوريا إلى دويلات وكنتونات مختلفة ومتناحرة.
وهناك من يجد في دخول الأتراك إحتلالاً عسكرياً, فالوطنية لا تتجزأ والتعاطف والمساعدة أمر وإنتهاك السيادة بإجتياح بري أمر أخر, ويعزو موقفه هذا إلى حرب العراق عام 2003, وإدعاء أمريكا أنها جاءت لتنشر الديموقراطية في المنطقة, وتخليص الشعوب من الطغات, لكن الحقيقة التي ظهرت لاحقاً هو نهب خيرات البلاد وإضعافها ثم تسليمها للشيعة وللأكراد.
أما الفصائل السياسية المعارضة وعلى رأسها الإئتلاف والفصائل العسكرية المسيطرة على الأرض كجبهة النصرة, فلم يظهروا موقفهم على الإطلاق, ولم نشهد أي بيان يتحدث عن ترحيب أو رفض بل تركوا الباب موارباً, وفضلوا عدم الإستعجال بإتخاذ المواقف.

بالمحصلة فإن الأمر الأقرب إلى العقل أن الأتراك أرادوا تسريب ماتم تسريبه, لدراسة ردود الافعال وإتخاذ قرار على ضوء هذه الردود, وجس نبض المزاج العالمي وإستفزاز الرأيين العام والرسمي الأمريكي, إلا أن مخططاتهم لابد أنها فشلت أو تكاد بسبب تواضع ردود الافعال أو إنعدامها تقريباً, وبذلك لا يملك أردوغان سبيلاً سوى استنفار الجيش على الحدود, ونشر المزيد من العناصر والآليات العسكرية.[/rtl]