[rtl]في كتابه (تدمر شاهد ومشهود) يروي الأردني سليم حماد، طقوس استقبال المعتلقين – الذين كان واحداً منهم - في سجن تدمر الصحراوي فيقول: 
" دخلنا الباب ونحن نقرأ على الدنيا وراءنا السلام!
وجدنا أنفسنا في باحة اسمنتيةٌ تحطيها المهاجع التي أمرونا أن نصطف على جدرانها مُسْلِمينٌ للوحوش رجال السَرِيةَ كلهم ظهورنا بالاختيار! ولم يلبث الزبانية أن بدأوا يسحبون الواحد منا تلو الآخر.. فيعرونه مىن ثيابه إلا الشورت، ويفتشونه مرة أخرى من باب الاحتياط... وفى الوقت الذي تولى قسم من الشرطة الإخوة المتجهين إلى الجدار بالضرب والجلد والركلات، يعلو الصياح وترتفع أصوات الاستغاثة، ولا مغيث. تجذب الأيدي القاسية الأخ الذي تجرد من تيابىه وبات جاهزاً فتدفعه أو ترفسه، فيختل توازنه ويقع على الأرض ليكون الدولاب فى اسىتقباله واتنان من الشرطة العسكرية على جانبيه ينزلان فيه، ل فترتفع الرجلان في الهواء، لل و قد واحدنا القدرة إذ ذاك على التحرك، لكن الجلادين ولزيادة الاحتياط وتحقيق مزيد من الإتقان، يربطان الر حلين بجنزير من الحديد، تعدم أي فرصة لهما للتحرك قيد أنملة.ويبدأ الضرب من غير رحمة، ومن غير عد. فإشارة الانتهاء لدى الوحوش أولئك أن تنقتح البطن وتسيل منها الدماء، فإذا تم ذلك فكوا القيد عن الرجلين، وأخرجوا المعتقل من الدولاب، وأمروه أن يفتح كفيه ليتلقى هدية أخرى... وتنهال على الراحات سياط من الجلد العريض، سمعنا أنها مصنوعة من حزام مروحة الدبابات... حتى إذا حل بالأيدي، مثل الذي حل بالأرجل، وتأكد الجلادون أن الدم يسيل، أمروا ضحيتهم بالانطباح... ولا يكون المسكين بحاج لسماع الأمر، لأنه منهار ومنتهٍ بذاته، فيستقبل الأرض بلا حول ولا قوة... وتلحق به السياط والعصي تأكل الآن ظهره وجنبيه: خمسون.. مائة... وربما مائتا جلدة... قبل أن يتوقف الزبانية"! 

السجن الذي افتتحه حكم البعث! 
هذا غيض من فيض عذابات ساعات معدودة كان يعيشها سجناء سوريون وأحيانا عرباً، في سجن تدمر الرهيب، الذي سقط فجر يوم الخميس الحادي والعشرين من أيار / مايو، واعتبر الكثير من السوريين أنه سقوط لإحدى أعتى رموز حكم البعث، ومظاهر وحشية حكم الأسد. 
السجن الذي يبعد نحو 200 كلم شمال شرقي العاصمة السورية دمشق، ويقع القرب من مدينة تدمر الصحراوية في قلب بادية الشام، وبالقرب من آثارها الشهيرة، بني في البداية من قبل قوات الانتداب الفرنسي ليكون ثكنة عسكرية. لكن حكم البعث حوله عام 1966 إلى سجن مخصص للعسكريين وتشرف عليه الشرطة العسكرية... لكن سمعة السجن المرعبة لم تتعزز إلا في عهد حكم حافظ الأسد... ففي 27 يونيو (حزيران) 1980، وفي عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد، نفذت مجزرة بداخله أودت بحياة نحو 900ا سجين، بينهم عدد كبير من الأطباء والمهندسين وأصحاب الشهادات العالية، ممن اتهموا بالانتماء للأخوان المسلمين، أو كانوا من معارضي الأسد من التيارات الأخرى.
وقد أشرف على تنفيذ المجزرة رفعت الأسد قائد ما كان يعرف بـ (سرايا الدفاع) انتقاماً لمحاولة الاغتيال التي تعرض لها حافظ الأسد من قبل أحد حراس قصر الضيافة بدمشق أثناء وداعه للرئيس النجيري بتاريخ 26/6/1980

صلاحية مطلقة لقتل أي سجن! 
على مدار حكم الأسد الأب، قضى عشرات الآلاف من السوريين، في أسوأ عمليات التعذيب الوحشي داخل جدران هذا السجن، وزنازينه المرعبة، واستخدمت أنواع من التعذيب والتحطيم النفسي والجسدي، التي لم تمارس من قبل في العالم، بما فيها إجبار الأب على قتل أحد أبنائه بيديه، أو إجبار أحد المعتقلين على اغتصاب شقيق له أمام أبيهما المعتقل، كما ذكر المعتقل سليم حماد في كتابه (شاهد ومشهود) واصفاً السجانين والحراس بأن الغالبية العظمى منهم من الطائفة العلوية! 
وفي بداية تسلم الوريث بشار الأسد للحكم، أعلن عن إغلاق سجن تدمر رسمياً... كمحاولة لتلميع صورة بشار الأسد، والإيحاء بأن نظامه يريد أن يشكل قطيعة مع نظام الأب، الذي كان محاطاً بالضغوط والتحديات... إلا أن النظام لم يسمح لأي من منظمات حقوق الإنسان بزيارته، واستمر الحديث عن تخفيض عدد نزلائه، إما عبر إعدامهم، أو نقلهم إلى سجون أخرى. 
لكن الثابت أن سجن تدمر أعلن عن إعادة افتتاحه عام 2011 لاستيعاب عدد أكبر من السجناء، ومن أسوأ ما يشتهر به ظروف الاحتجاز القاسية لنزلائه، بالإضافة إلى ما يشهده من حالات تعذيب وانتهاك لحقوق الإنسان وإعدام بعد محاكمات شكلية داخل السجن. ويمتلك الحراس صلاحيات مطلقة في قتل أي معتقل أو تعذيبه حتى الموت دون إبداء أي أسباب... 

السجن الأسوأ في العالم!
وقد صنف سجن تدمر عام باعتباره الأسوأ بين عشر معتقلات شهيرة في العالم، متقدماً على سجن (كارانديرو) البرازيلي، و(بيتالك) الروسي، و(كوانغ بانغ) التايلاندي، و(لاسابانيتا)... وكتب موقع «كريمينال جاستيس ديغري هاب»، الذي أعد هذه القائمة يصف السجن الأسد الذي لم تعرف فظاعاته إلا في زمن حكم العلويين: 
" سجن تدمر في سوريا، سالت الكثير من الدماء وراء قضبانه، ولو أحرق فلن تطهر نيرانه روح الصحراء التي سلبت آلاف الأرواح ظلما".
ولم تضم القائمة (سجن أبو غريب) في العراق، حيث يذكر رئيس جمعية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، الذي سبق له أن قضى خمسة أعوام في إحدى غرف سجن تدمر، في حديثه لصحيفة (الشرق الأوسط) يوم أمس، قائلا: 
"بعد سنتين تقريبا من وجودي في تدمر، أتى أحد السجناء السوريين الذي كان مسجونا في سجن أبو غريب في العراق، وبعدما رأى ما تخفيه جدران تدمر، تمنى حينها أن يعود إلى حيث كان». وتابع: «كنا ننام ولا نعرف إذا كنا سنفيق في اليوم التالي. نعيش الموت كل يوم وكل ساعة. حتى إنّهم كان يجبروننا على ضرب بعضنا البعض، عقابا». وفي الغرفة التي لا تزيد مساحتها على 12 مترا طولا و6 أمتار عرضا، كان يقبع فيها أكثر من 150 سجينا، بينما يزيد عدد السجناء في الباحات السبع التي يتألف منها السجن على 20 ألف معتقل، في حين أنه يفترض أن لا يؤوي أكثر من 7 آلاف.
ووفقًا لمنظمة العفو الدولية، فإن سجن تدمر المركزي مرادف «للوحشية واليأس واللاإنسانية".
وهو ما يؤكّد عليه علي بودهن، أبو دهن، مؤلف كتاب «العائد من جهنم» الذي يروي فيه تجربته في سجون النظام السوري بين عامي 1987 و2000، قضى خمس سنوات منها في سجن تدمر، إلى أن الإحصاءات الأخيرة الموجودة لديهم في الجمعية تشير إلى أن هناك نحو 628 معتقلا في سجون النظام بينهم العشرات في سجن تدمر. ويقول: "إضافة إلى العذاب النفسي والجسدي الذي يعانونه، فهم يعيشون خارج الواقع مغيبين قسرا عن كل ما يحصل في الخارج»، مضيفا: «لا أستبعد أنهم يظنون أنّ ما يحصل من حولهم هو اجتياح إسرائيلي لسوريا".

سجل تدمر في المكتبة العربية! 
ألفت عن سجن تدمر عشرات الكتب. معظمها كتبها معتقلون سابقون قضوا سنيناً من حياتهم في السجن... فهاهنا لا مكان للخيال... لأن واقع الرعب، يتجاوز خيال أي كاتب، مهما بدا سوداوياً أو سادياً أو مازوشياً! 
أول كتاب ظهر عن سجن تدمر هو (تدمر شاهد ومشهود) الذي أصدره المعتقل الأردني سليم حماد في تسعينيات القرن العشرين، وكانت المخابرات السورية قد اعتقلته وهو يدرس في إحدى الجامعات السورية بتهمة الانتماء للأخوان المسلمين، وقضى (11) عاماً قبل أن يطلق سراحه. 
كما أصدر اللبناني علي أبو دهن الذي قضى ( 13 ) عاماً في سجن تدمر، منذ اعتقاله في مدينة السويداء عام 1987، كتاباً عن تجربته كمعتقل في سجن الأسد الرهيب بعنوان: (عائد من جهنم) الذي صدر عام (2012) ومن أبزر ما يذكره فيه موت طبيب لبناني كان متطوعاً في الهلال الأحمر أمام عينيه.. وآثار رصاص وثقوف ودماء رآها على جدران المهجع الذي وضع فيه: 
"عندما سألت عنها قالوا أنها آثار المجزرة التي ارتكبت بحق معتقلين أخوانيين أمر بقتلهم رفعت الأسد شقيق حافظ الأسد عام 1980" ويضيف: "روى الذين سلموا من المجزرة من أعضاء حزب البعث العراقي فصول ما شاهدوا من شاحنات تنقل الجثث إلى مقابر جماعية سيكشف النقاب عنها في يوم من الأيام".
كما يقدم كتاب السوري ياسين حاج صالح (بالخلاص يا شباب) الذي صدر عام 2012 صورة أخرى عما يحلمه سجن تدمر من معاني القسوة والوحشية التي تختزل جوهر حكم الأسد الاستبدادي. 
وعلى صعيد الأدب تعتبر (القوقعة) للروائي السوري مصطفى خليفة – وهو مسيحي اعتقلته مخابرات الأسد بتهمة الانتماء للإخوان المسلمين- أفضل عمل روائي عن عذابات هذا السجن، الذي استمر حضوره في الأدب الروائي السوري مع رواية فواز حداد الأخيرة ( السوريون الأعداء) التي صدرت عام 2014، [/rtl]