[rtl]إنّ المشاهد الآتية من سوريا صادمة للغاية؛ أكثر من ثلاثمائة ألف شخص قضوا نحبهم، 500 ألف مفقود، 5 ملايين لاجئ، جيل بأكمله إما أنه قد تلقى تعليماً بسيطاً، أو أنه لم يتلق أي تعليم على الإطلاق، فيما يقف المجتمع الدولي عاجزاً بشكل واضح، في مواجهة كل هذه المشاكل. بالإضافة لكل ما سبق- ووفقاً لما توصّلت إليه شخصياً- فإنّ النظام ما زال يستخدم السلاح الكيماوي، بالرغم من القرارات الخاصة بالأمم المتحدة، والتي جاءت بناء على تقارير يومية حول الممارسات التي يتعرّض لها المدنيون المقموعون، ممن لا يتوفر لديهم أي شكل من أشكال الحماية .

حيث سجّل أول استخدام للأسلحة الكيماوية في منطقة الشيخ مقصود، في شهر آذار من عام 2013، وتزامن ذلك مع التوقيت الذي كنت قد اعتزمت فيه البدء في عملية جمع أدلّة حول استخدام هذه الأسلحة في الوقت نفسه، إذ ما يزال بعض الناس يشككون في حقيقة استخدام السلاح الكيماوي في سوريا، وأكثر منهم هم من لا يصدّقون أن اللائمة في ذلك تقع على الأسد وحده.

على أي حال، ومن موقعي كخبير في مجال السلاح الكيماوي، على مدى 27 عاماً، وكوني قد ذهبت في زيارات لسوريا أكثر من مرّة، وقمت بتحليل بعض العينات المأخوذة من مواقع هذه الهجمات، فإنّه ما من شك لديّ بأن السلاح الكيماوي قد جرى استخدامه في الفعل، وأن نظام الأسد هو المسؤول عن استخدامه.

إن منطقة حظر جوي محدودة، فوق منطقة إدلب، تمنع تحليق الطائرات الحوامة"الهيلكوبتر" التي تقوم بإلقاء البراميل المتفجرة، هي من سيساهم في تحسين الأحوال بشكل واضح.
حيث أظهرت العينات التي تمّ الحصول عليها من منطقة الشيخ مقصود في سراقب، في شهر أيار 2013، والتي وجدت طريقها أخيراً إلى مختبرات حكومتي فرنسا وبريطانيا، والتي أسفر الكشف عنها عن وجود غاز الأعصاب (السارين)، إذ تحدّث دايفيد كاميرون حول هذه الحادثة في صيف عام 2013. فيما جرى هجوم كيماوي كبير على غوطة دمشق في21-8- 2013 ، والذي استخدم فيه 1000كغ من السارين، أسفرت عن مقتل 1500شخص، معظمهم من النساء والأطفال. ويعتقد الكثيرون أن الأسد كان على وشك الهزيمة، بعد أن حارب الثوار هناك لمدة تزيد على 18شهراً، وأنه لجأ إلى استخدام السلاح الكيماوي كورقة أخيرة.

لقد تقصّت منظمة حظر السلاح الكيماوي حقيقة هذه الهجمات المتعاقبة، حيث كشف تقريرها عن حدوث الهجوم الكيماوي بالفعل، ولكنه كان يفتقر إلى توجيه الإدانة لجهة محددة. بالنسبة لي، فقد بان واضحاً أن النظام وحده هو المسؤول .

إذ أنه من المستحيل أن يحصل الثوار على هذه الكمية من السارين، كما أنه كان قد جرى إطلاق الصواريخ من مناطق تحت سيطرة النظام. لقد كان الجو مناسباً جداً لتنفيذ هذا الهجوم، حيث كانت درجة الحرارة حوالي 17 درجة، مع نسمات خفيفة تهب مبتعدة عن مناطق تمركز النظام، وكانت الساعة حوالي الثالثة فجراً، فجميع الناس كانوا نيام، سبقه قصف تمهيدي بغية تكسير النوافذ والأبواب، من أجل السماح للغاز بالتسرب إلى البيوت، وتم اللجوء كذلك إلى قصف أعقب الهجوم الكيماوي لمحو معالم الجريمة، والإجهاز على المتضررين. هذا النمط من التخطيط والتنفيذ كان بكل تأكيد يفوق إمكانات أي فصيل من الثوار المتواجدين في المنطقة، في ذلك الوقت.

يومذاك، صوّت البرلمان البريطاني ضد القيام بأي إجراء عسكري، بعد مجزرة الغوطة، وبعدم مساندة خطة باراك أوباما في توجيه ضربات لأهداف استراتيجية، من أجل إنهاء نفوذ الأسد وسيطرته، وتدمير المواقع الرئيسية والمنشآت الكيماوية .ولسوء الحظ فقد جعل هذا التصويت أوباما يعيد حساباته، كما أنّه من المثير للاهتمام حقاً أن تجد "إد ميليباند" والذي كان ينوي أن يصبح رئيس بريطانيا المقبل، يعلن مسؤوليته عن تعطيل هذا الإجراء، كإثبات على رصانته وعلى أنه رجل دولة. إلا أنني أرى أن هذا الإجراء يعتبر الخطأ العسكري الاستراتيجي، الأكثر فداحة خلال هذا القرن. حيث أنه أبقى الأسد في السلطة، وبالنتيجة فإن آلافاً إضافية قد تعرضوا للقتل أو الإصابة، وأسهم في تنامي نفوذ تنظيم الدولة الإسلامية، ولو أن هذه الهجمات قد نفذت كما خططت لها الولايات المتحدة الأمريكية، فإن الحالة بعدها- بكل تأكيد- ما كانت لتكون أسوأ مما هي عليه اليوم، ومن جهة أخرى، فلربما كانت هذه الهجمات قد أسفرت عن سقوط نظام الأسد، ووقف أي تقدّم لتنظيم الدولة الإسلامية في المنطقة. لو قيّض لميليباند أن يصبح رئيس وزراء لبريطانيا، دعونا نأمل أنه قد استفاد من هذه الدروس، والتي دمّرت مكانة بريطانيا ونفوذها في العالم، بالإضافة إلى علاقاتنا المتميزة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

بعد هجوم الغوطة، ونزع مخزون السلاح الكيماوي المصرّح عنه من قبل منظمة حظر السلاح الكيماوي، فقد جرى استخدام السلاح الكيماوي ثانية في تلمنس وكفرزيتا خلال شهر نيسان من عام 2014، حيث زرت المنطقة في الشهر ذاته، وحلّلت بعض العينات المأخوذة من منطقة الهجوم، والتي أثبت الفحص أنها تحوي على غاز الكلور،. كما سافرت إلى سوريا في أيلول من عام 2014، وعلّمت الأطباء الذين يزاولون المهنة، والأطباء المتدرّبين حول كيفية التعامل مع غاز الكلور، والاحتياطات اللازمة لتجنيبهم الوقوع ضحية له. أما مؤخراً، وقبل فترة قريبة لا تتجاوز الأسبوعين، فقد ذهبت إلى هناك لتحليل عينات من الهجمات الكيماوية الأخيرة، والتي أثبتت الفحوصات على احتوائها على غاز الكلور، حيث ألقيت من قبل طائرات الهيليكوبتر، النظام وحده هو من يحرّك طائرات الهيليكوبتر في سوريا.

من وجهة نظري، فإن الأمل الوحيد لوقف الهجمات الكيماوية في سوريا، هي إنشاء منطقة أشبه ما تكون بمنطقة الحظر الجوي، ولكنها بالمقابل يجب أن تكون محدودة؛ إقامة منطقة حظر جوي بالكامل، سيكون من الصعب على أي تحالف ضبطها، وسوف تورّطه في صراع أكبر مع سوريا وإيران، واللتان بدورهما تقاتلان تنظيم الدولة الإسلامية، مستخدمتين الطائرات الحربية. بكل الأحوال، فإن فكرة إقامة منطقة حظر جوي محدودة، يمكن الوصول إليها بسهولة، وهي العمل الوحيد الذي يمكن للأمم المتحدة أن تقوم به، كرد فعل على هذه الهجمات الكيماوية المتتالية. ففي الأشهر الأربعة الأخيرة، كانت هجمات الكلور بنسبة 90% متركزة على محافظة إدلب، وهذا ما تحدثت عنه سامانثا باور وآخرون في كلمتهم أمام مجلس الأمن، خلال وقت سابق من هذا الشهر، والذي تناولوا خلاله الفظائع التي ارتكبت في سرمين، والتي زعمت بأن براميل الكلور قد ألقيت في إدلب. إن منطقة حظر جوي محدودة فوق محافظة إدلب، مهمتها حظر طيران طائرات الهيليكوبتر التي تلقي البراميل فقط، سوف تقدم مساعدة كبيرة للشعب، الأمر الذي قد يقنع الروس أن يمتنعوا عن استخدام الفيتو أمام هذا الاقتراح. أما من الناحية العسكرية، فبالتزامن مع سيطرة وهيمنة قوات التحالف على منطقة ما بين سوريا والعراق، من أجل استكمال الهجوم ضد تنظيم الدولة الإسلامية، فسوف يتم التوصل إلى منطقة الحظر الجوي المحدودة هذه.

*هاميش دي بريتون جندي سابق، كان الضابط المسؤول عن ترسانة السلاح الكيماوي، البيولوجي، الشعاعي، والنووي في المملكة المتحدة، وعن قوة التدخل السريع في الناتو.[/rtl]