[rtl]يواصل نظام بشار الأسد إغلاق كافة المعابر التي تربط الغوطة الشرقية بالعاصمة دمشق حيث فرض حصاراً ظالماً عليها، مانعاً الغذاء والدواء من الدخول إلى الأهالي المحاصرين وسط صمت المجتمع الدولي إزاء الموت البطيء الذي يتعرض له المدنيون في غوطة دمشق. 

بخلاف الغذاء والدواء الضروريين لأهالي الغوطة، فقد نتج عن إغلاق الطرق بشكل فجائي نهاية شهر أيلول عام 2013 في وجه المدنيين أزمة تنخر في بنية المجتمع السوري حين فُرّقت عائلات الغوطة وفرط عقدها بين محاصر هناك وآخر مشرّد في شوارع العاصمة دمشق وبيوت أقربائه على بعد عدة كيلومترات فقط. أزمة ما كانت لتنذر بكارثة لولا أنها ما زالت منذ عامين دون أفق لحلها أو مجرد اهتمام من أي طرف كان بمحاولة إثارة القضية. عائلات تعدادها بالآلاف انقطعت السبل بين أفرادها فالأب أصبح في الغوطة والأم مع أحد أولادها في دمشق، أو العائلة كلها في الغوطة باستثناء أحد الأبناء الذي كان في زيارة لأحد أقربائه في العاصمة. وغيرها الكثير من القصص التي اطلعت عليها (أورينت نت) لتلقي الظلال على تلك القضية الهامة لأول مرة في الصحافة السورية أو العربية. 

التفريق بين "المرء وزوجه"
أمّ عبد الله ضحية إحدى القصص التي وصلت لأورينت نت، حين خرجت من الغوطة مع ابنتها لرؤية خطيبها المقيم في دمشق, قبل عدة أيام من إغلاق المعبر الذي يمر عبره المدنيون. إلا أن الحظ لم يسعفها مع ابنتها للعودة إلى منزلها بعد إبلاغها هاتفياً بأن لا تعود مؤقتاً بسبب اندلاع اشتباكات بين جيش الأسد والثوار كعادة تلك الأيام، لكنها لم تكن تدري أنها ستبقى حتى الآن في دمشق بعيدة عن زوجها وولديها بلا معيل. 

تنقلت أم عبد الله بين بيوت أقاربها في دمشق، ولم تستقر في بيت أحد منذ عامين حتى الآن، كي لا تثقل على كاهل مستضفيها بعد غلاء المعيشة. وبسبب بعد المعيل عنها التجأت للقيام ببعض الأعمال اليدوية وبيعها كي تعتاش منها دون حاجة أحد. فتحت قلبها لأورينت نت وما زالت تأمل أن تعود للقاء زوجها وولديها رفقة ابنتها التي تزوجت بالوكالة عن أبيها المحاصر. 

مأساة طالبة جامعية
للطلاب الجامعيين نصيبهم أيضاً من الفرقة والبعد عن الأهل، فكثير من الحالات تعبر عن المأساة المتمثلة بإغلاق المعابر مع الغوطة الشرقية حين كانوا ذاهبين لمقاعد الدراسة فإذ بهم يبقون وحيدين في العاصمة دون أهلهم. حنان طالبة جامعية في السنة الثانية بإحدى الكليات اضطر أهلها خوفاً عليها من الحواجز المنتشرة على طريق الغوطة لإبقائها عند جدتها في العاصمة والاطمئنان عليها أسبوعياً، لكنهم لم يتوقعوا أن تكبر ابنتهم الوحيدة وتتزوج بعيداً عن أعينهم. 

حنان تتلقى مصروفها من أخوالها الذين يعينون جدتها كحال أي عائلة أخرى، إلا أن ألم البعد ما زال يسكن قلبها، فلا تريد أن تتخرج من كليتها دون وجود الأهل بجانبها، أو أن تنجب طفلها الأول بعيداً عن أمها. تقول إنها لو علمت بما ستمر به الآن لآثرت قساوة الحصار على شهادتها الجامعية وأحلامها.. وختمت "أتواصل مع أهلي كل أسبوعين بمكالمة هاتفية لا تغني عن اللقاء منذ عامين.. إنه شعور لا يوصف". 

أطفال عاشوا بعيداً عن أحضان أمهاتهم
أما حالات الأطفال فتكاد تكون الأصعب.. يعرفون الطريق إلى بيوت أهلهم, يحفظونه عن ظهر قلب, ولكنهم يعلمون أن عناصر الشبيحة تقف حاجزاً بينهم وبين أحضان أحبائهم. لم يعودوا قادرين على تمييز فترة الغياب، هل هي بالأيام أم بالأشهر أم بالسنين! نقل لنا أحد أبناء دمشق أنه سمع حواراً بين طفلتين قريباً من بيته تقول أحدهما للأخرى بألم: "أنا لم أشاهد أمي منذ 5 سنين.. وأنتِ؟!"، فتردّ الثانية: "لا يا صديقتي، نحن لم نقابل أهلنا منذ سنة وستة أشهر". فبادر لسؤالهما "من أين أنتما؟" لتجيب إحداهما بأنها كانت صحبة جدتها لشراء بعض الحاجيات من دمشق فتقطعت بهم سبل العودة إلى الغوطة بعد إطباق الحصار.. لم تنه سرد قصتها حتى ذهب الرجل بعيداً عنها, والدموع تحتبس في مقلتيه على أطفال دفعوا ثمن شعار الشبيحة "الأسد أو نحرق البلد". [/rtl]