[rtl]يبدو أن تحرير إدلب لم يقف عند فرحة السوريين بنصر انتظروه منذ زمن وحسب، بل أنه جاء ليكشف الكثير من الخفايا التي حاول النظام طمسها وتغيبها عن الناس، حين كان النظام يتظاهر بشيء ويخفي آخر مخالف تماماً للظاهر، ولربما يعلم أغلب السوريين هذا السلوك عن النظام، لكنهم كانوا بحاجة التأكيد على ذلك . 
في المصنفات التي وجدها الثوار في مبنى الأمن العسكري بمدينة إدلب، تتكشف الكثير من تلك الخفايا، أبرزها حكاية "الرئيس المؤمن" التي ما برح إعلام النظام وحتى رأسه ترويجها بحضور بشار كل المنسبات الدينية، وأداء الصلاة فيها بشكل منتظم، تقيةً؛ وربما حيلة لإيهام الناس وتكريس تلك الرواية، فيما كان عناصر أمنه يتتبعون ضباط وعناصر الجيش الذين يُحسب رأس النظام عليهم، والمستخدمين المدنيين ( المخبرين)، الذين يؤدون الصلاة وأهمها صلاة الجمعة!

ملف بمئات التقارير! 
الكثير من الوثائق التي وصلت إلى يدي الثوار، وتمكنت أورينت نت من الحصول على نسخ منها، سنضعها بين أيديكم ، لنكشف كيف كان النظام يلاحق السوريين ولاسيما بما يخص أمور دينهم، وقمع رجال الدين في كل التحركات كحال الشيخ أحمد علوان خطيب مسجد (أويس القرني) سابقاً في المعرة، ورئيس المحكمة الشرعية في معرة النعمان حالياً،و الذي شاركنا قراءة تفاصيل وتفنيد محتوى ملفه الذي عثر عليه في فرع الأمن العسكري في إدلب . 
ملف الشيخ أحمد الذي يحوي مئات الكتب والتقارير الأمنية، بدأ بالتشكل في تشرين الثاني من عام 1999 ، لدى فرع الأمن ، عندما أوصى أحد التقارير بمتابعته ووضعه تحت المراقبة السرية، والموافاة بجميع خطبه التي يلقيها على المنبر في صلاة الجمعة. 

روسيا خط أحمر 
ولمعرفة السبب الذي جعل المخابرات تضع الشيخ العلوان تحت المراقبة وتفاصيل ملفه بالكامل الذي يحوي العديد من الأمور الخطيرة، اورينت نت اتصلت بالشيخ أحمد،والذي قال: "التاريخ الذي ذكرته صحيح وكانت اثر أول خطبة خطبتها لي كخطيب وداعية، وكانت حول موضوع قصف الروس لمدينة (غروزني) الشيشانية، وأدى القصف لمقتل حوالي 52 شيشاني، وكانت خطبة حماسية كون الأمر استدعى غضبي كمسلم على أبناء ديني في الشيشان، ودعيت في نهاية الخطبة على روسيا بأشد عبارات الدعاء، وعلى فكرها الشيوعي المتطرف تجاه المسلمين، وبعدها بأيام تم استدعائي إلى فرع الأمن وأبلغوني أنني قد تعرضت لدولة صديقة، وأن كلامي يسيء للعلاقة مع هذه الدولة، وأن هذا الموضوع أكبر مني، ومن هذه الحادثة بدأ ملفي عندهم". 

لوحة ( شاكيرا القبيسي ) في بقعة ضوء 
أهم ما جاء في ملف الشيخ أحمد هو كتاب أرسل من فرع ( 235 ) أو ما يعرف بفرع فلسطين الشهير، إلى فرع مخابرات إدلب، يحمل استفسار أحد الضباط عن تطرق خطباء إدلب لموضوع لوحة (شاكيرا القبيسي) في مسلسل بقعة ضوء المعروف، الذي يعرض رمضان، والتي أثارت سخط الكثيرين في ذلك الوقت لما جاءت به من إهانة للدين الحنيف ،وكان ذلك عام 2004، وتبين بعد تحري فرع إدلب، أنه لم يتطرق للموضوع سوى العلوان بحسب أحد التقارير ، والذي سألناه عن تفاصيل القصة وأجاب : "في ذلك الوقت أنا لم أتابع الحلقة ولم أشاهدها، ولكني كنت أدرّس في أحد المعاهد الشرعية، و التقاني بعض الطالبات والطلاب وحدثوني عن هذه الحلقة، ووجدت عندهم إجماع على إنكارها ،لما تحتويه من هجوم على الداعية المصري عمرو خالد، وتسمية بطلة اللوحة بـ (الشيخة شاكيرا القبيسي)، التي أخذت دور المرأة الملتزمة دينيا والمحجبة أيضاً، وكان مجرد إلصاق أسم (شاكيرا) لفتاة محجبة وملتزمة، له رمزيته بالإساءة للدين والمسلمات العفيفات، اللواتي طالتهن هذه الحلقة بالسخرية والنقد، وإن كنا اختلفنا مع من يقصدون في تلك الحلقة وهي (فاطمة القبيسي) المعروفة في دمشق، والداعية عمرو خالد الذي أسيئ إليه بشكل مقصود، إلا أن الإساءة لهم لم تكن لشخصهم وحسب، بل لرمزية رجال وفتيات الدين الملتزمين والملتزمات . وأيضا في المسجد وجدت بين المصلين ذات الإنكار للحلقة لما تحمله من إساءة وجرأة على الدين الإسلامي، وكونت فكرة كاملة عن الموضع بعد أن تقصيت رأي العديد من الناس مختلفي الآراء ، وكان يوم أربعاء على ما اذكر، وجهزت خطبة ليوم الجمعة واعتليت المنبر وخطبت حول هذا الموضوع؛ اذكر أنني قلت : 
"لماذا تُعطى الحرية بهذه المواضيع لكل ناعق يطعن في الدين ولا تعطى لرجال الدين على منابرهم"وانتقدت الرقابة على خطباء المساجد، فيما هي غير موجودة في وسائل الإعلام بما يخص الشأن الديني!

أنت تحمل " فكر متشدد"!
ويتابع الشيخ أحمد العلوان روايا قصة استدعائه مرة أخرى: 
بعدها بأيام استدعيت للقاء رئيس الفرع بشكل مباشر العميد (أحمد ميكائيل حلوم) وبعد أن أدخلوني العديد من المكاتب، وأجروا الكثير من الاستفسارات حول الموضوع بين ( سين و جيم )، وصلت أخيراً لمكتب رئيس الفرع ، وأول سؤال وجهه لي هو أنه لماذا أنا.. دوناً عن مئات الخطباء في جميع مساجد إدلب تعرضت لهذا الموضوع؟ 
كان - بحسب زعمه- لديه حجة وهي أنه استقصى بعض علماء الدين (علماء السلطان) عن هذا الموضوع وأفادوه بأن هذه الحلقة لا تحمل إساءة للدين وإنما تأتي كنقد للسلوكيات الدينية المنحرفة فقط، وربط اعتراضي على موضوع الحلقة بأنني أحمل فكر متشدد، وأجبته أنه يستحيل أن تمر هذه الحلقة دون نقد علماء دمشق، وكنت لا أعلم أن هناك وفد من علماتء دمشق خرج لوزير الإعلام وانتقد الحلقة ، بعد أو أثناء إجراء التحقيق معي (لا أذكر) ". 
وأضاف :" ومن ثم حاول أن يجر الموضوع ليندرج في إطار حرية التعبير التي اتهمني بأنني لا أؤمن بها، وأجبته أنني أؤمن بحرية التعبير وإذا كان هو نفسه يؤمن بها، فيكف يسمح لعاهرة وممثل، بالتطاول على رمز الحجاب وظاهرة إطلاق اللحية، ولا يسمح لي بنقدهم وكله من باب حرية التعبير، فالحرية يجب أن تكون قاسم مشترك بيني وبينهم ، وتحدثت حينها بكل جرأة معه ، وقلت له هم يقولون ويسيئون على الملأ دون رقيب، وأنا لمجرد نقد أجرجر إلى أفرع الأمن !!؟"

وتابع العلوان : "وحاول التبرير حينها بأن الحلقة تناولت نقد سلوكيات دينية خاطئة، وأجبته أن نقد السلوكيات الدينية الخاطئة تكون من مهمة رجال الدين وعلى منابرهم، وليس من مهمة شخص ممثل لا يُعرف توجهه الديني ويريد أن ينتقد تصرفات المسلمين، ولا من مهمة (عاهرة) تقوم بدور (الشيخة شاكيرا) وذلك ما يثير استفزاز الناس والمسلمين على وجه الخصوص. المهم انتهى ذلك اليوم بكتابتي تعهد بعدم الخروج عن نص الخطبة والموضوع المطروح لها، وعدم التعرض للمؤسسة الإعلامية ( وزارة الإعلام ) كون تعرضي لها يعرضني للمسائلة القانونية، وهي حجة وضعوها أمامي ليرهبوني بها ومحاسبتي إن ما كررت ذنب الخروج عن الخطبة"

الحركة التصحيحية وخطبة العلوان 
سألنا الشيخ أحمد عن متابعة خطباء المساجد وخروجهم عن موضوع الخطبة من قبل الأمن، بحيث تفيد بعض التقارير التي حصلنا عليها من الفرع، بأن الكثير من الخطب تم إدراج عبارة ( لايوجد )، أي أن جميع الخطباء التزموا بموضوع الخطبة المقرر من فرع الأمن، وكانت بعض التقارير استثناء كالتي وضع اسمه عليها وحيداً، من الذين تجاوزوا الموضوع، حيث قال : 
" أحدهم كان حول حلقة ( شاكيرا القبيسي ) التي ذكرناها سابقاً، وهناك آخر كانت الخطبة في ذلك الوقت عن الحركة التصحيحية وأنا قلت للمصلين أن الحركة التصحيحية هي تصحيح العلاقة مع ديننا ومع ربنا، فتصحيح الدين أولى من تصحيح الدنيا، وأيضاً تم استدعائي وتنبيهي من قبل الفرع، وأيضاً في أحدى الخطب قلت : على الناس أن لا تحمل طالب العلم والداعية أكثر مما يحتمل لأنه بين أعين ثلاثة : " عين الله الناقد البصير التي ترقبنا ، وعين الحكومة التي وضعت لنا حدودا لا نتجاوزها وإلا ستسألنا ، وعين الناس التي لا ترحم" ومن كتب التقرير في ذلك الوقت ذكر أنني قلت "عين الحكومة التي لاترحم" واستدعيت أيضاً عن تلك الخطبة، واستدعيت في إحدى المرات لأني لم أدعُ للرئيس، وكنت قاصداً في ذلك الوقت بسبب أحد المواقف التي لا أذكرها".

أسماء الخطباء الذين لم يدعوا للرئيس!
وأضاف العلوان في هذه الجزئية : أن خطب الجمعة كان يحضروها مندوبون من جميع أفرع الأمن ( السياسي وأمن الدولة ، والعسكري ، والجوية ) وإن كان الأمن العسكري هو الأكثر اختصاصا في ملاحقتنا كمشايخ ودعاة، وكان همهم الأول عدم الخروج عن مضمون الخطبة والدعاء للرئيس كما رأيتم في الوثائق التي بين أيديكم ، كيف حملت إحداها تبيان الخطباء اللذين لم يدعو للرئيس في نهاية الخطبة، مرفق ببند "الإجراءات المتخذة " بما يعني أن هذا الجرم يترتب عليه عقوبة، وهذا غير موجود إلا في الأنظمة القمعية، والجميع يعرف نظامنا"

حرب العراق .. مصيدة الجهاديين 
وتابع العلوان في الحديث عن ملفه، عندما سألناه عن تطوره في فرع المخابرات ليصل إلى هذا الحجم كما يتضح في الصورة المرفقة ، حين قال : " الملف تضخم خلال الانتفاضة الفلسطينية والتي واكبتها حرب العراق، بعد الخطب الحماسية التي كنت القيها في المسجد بنفس جهادي بحت، وصنفوني تلقائيا بين صفوف ( السلفية - الجهادية)، وتصنيفهم زور وبهتان، لأنني بعمري لم أنتمِ للسلفية الجهادية، ولا صرحت أدنى تصريح يضعني ضمن هذا الصف، فأنا إنسان معتدل والكتاب والسنة منهجي ولا شيء غير ذلك"
"أما بخصوص فترة حرب العراق، ففي تلك الفترة كنت استدعى للفرع ثلاثة أيام في الأسبوع، للضغط علي رغم أنهم كانوا يتركون لي مساحة للخطب الحماسية الجهادية في ذلك الوقت ، وتبين لي فيما بعد أنني أعطيت هذه المساحة في المسجد، كونهم أرادوا من المسجد مصيدة للشباب اللذين آلمهم ما يجري لإخوانهم في العراق، وكانوا يأتون للمسجد للتعرف أكثر عن الجهاد وربما الالتحاق بصفوف المجاهدين في العراق، وكانت مآربهم في ذلك الوقت أن يعرفوا كل شخص في المدينة يحمل فكر جهادي، وكان المسجد ومن يرتاده في تلك الفترة يساعدهم على رصد ذلك"

معهد النساء لتحفيظ القرآن .. أكبر همهم 
وأضاف العلوان :"أكبر الضغوطات التي مورست علي كانت من أجل معهد تحفيظ القرآن النسائي، وتعرضت من أجله للاستدعاء عشرات المرات لأفرع عدة، وكانوا يريدون إغلاقه بشتى الوسائل، ولكنني رفضت ذلك مراراً، وكان مآربهم واضحاً ، وهو تخلي الفتاة المسلمة عن تعاليم دينها وقرآنها، و إتباع النهج المنحرف الذي يريد النظام ترويجه".
وختم بالقول :"كل تلك الملاحقات تأتي في إطار تطويع الخطاب الديني بما يلائم هوى النظام ويبقى الإنسان السوري ولاسيما المسلم في دائرة العبودية، وأما إن كان غير ذلك، فسيعرض صاحب الخطاب للملاحقة والاعتقال والاضطهاد كي يسكتوا خطابه". 
يذكر أن الشيخ أحمد من مواليد معرة النعمان، وهو خطيب معروف فيها وكان من بين العلماء اللذين دعموا الحراك الثوري من الخارج بعدما فر من سوريا في أواخر 2009 بعد خروجه من فرع فلسطين حيث دام اعتقاله لمدة عام ونصف هناك، بعد حادثة تفجيرات القزاز الشهيرة . [/rtl]