من صفات المؤمنين الصادقين التي غاب التحقق بها في أهل الإيمان اليوم، تلك الصفة التي وردت في قول الله جل وعلا : *( إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُہُمۡ )* [ الأنفال : ٢ ] والوَجَل هو خوفٌ مع فزع، وهو يظهر على هؤلاء المؤمنين الكُمَّل إذا ذُكر ما كان متعلقًا بشأنه الكريم سبحانه وتعالى؛ لأنهم حينئذ يذكرون عظمته وجلاله وكبرياءه وقوته وشدة بأسه وسرعة عقابه سبحانه وتعالى، وكذلك يذكرون عظيم ثوابه وواسع رحمته جل وعلا، وأنه سبحانه وتعالى هو الفعال لما يريد، وأنه ما يكون في كونه إلا ما شاء سبحانه وتعالى، فيحملهم ذلك على أن يسارعوا إلى الخير مخافة أن يحرموا الثواب والرحمة، وأن يجتنبوا المخالفة مخافة أن ينزل بهم السخط والعذاب.
إن هذه المعاني ينبغي النظر فيها، لا سيما حين يذكر المرء ربه جل وعلا بلسانه، فيستحضر حينئذ في قلبه عظمة ربه جل وعلا وكبرياءه وجلاله؛ لينشرح قلبه بالذكر، ويرى في نفسه هذا الخوف والفزع الذي يحمله على المداومة على هذا الذكر؛ لينضم إلى ذيل قائمة هؤلاء المؤمنين حقًا الذين لا يغفلون عن ربهم، ولا ينسون ذكره، ولا ينسون أمره ونهيه، ولا وصاياه، وإنما هم وجلون خائفون من قوة بأسه وغضبه وعقابه أن يتنزل عليهم، أو أن ترفع عنهم الرحمة، ويقل عنهم الثواب، ويضعف أجرهم إن قصروا في شيء من ذلك، أما إن ذكروا ربهم هذا الذكر الصحيح امتلأت قلوبهم حينئذ خوفًا ووجلاً وخشية ورجاءً ويقينًا، وتوكلاً واعتمادًا على الله تعالى، وكان هذا الذكر سبيلًا لأن يمدهم الله تعالى بمدده ويقويهم ويأخذ بأيديهم إليه جل وعلا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من خطب ودروس فضيلة الشيخ/ د. محمد الدبيسي. مسجد الهدي المحمدي بالظاهر