من الآيات التي تبين معنًى جديدّا لكلمة ( الحُكم ) قول الله تعالى : *( إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ تَنزِيلاً • فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعۡ مِنۡہُمۡ ءَاثِمًا أَوۡ كَفُورًا )* [ الإنسان: ٢٣-٢٤ ] ، فبدأت الآيات بقوله : *( إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ )* وهو تأكيد شديد على أن هذا القرآن ما كان لينزل عليك من أحد غير الله جل وعلا؛ لأن *( إِنَّا )* و *( نَحۡن )* يفيدان تأكيد الكلام، وكان يمكن أن تكون الآية (إنا نزلنا عليك)، فلما قالت: *( إِنَّا نَحۡنُ )* كان هذا تأكيدًا على أن الله تعالى لا غيره هو الذي نزل عليك القرآن، وأيضا فإن *( نَحۡنُ )* هنا لتعظيم المتكلم سبحانه وتعالى، فيكون المعنى: أن الله تعالى العظيم المتعال لا غيره هو الذي نزل عليك القرآن، وما فيه من توحيد الله تعالى ومعرفته، وما فيه من أمر ونهي ووعد ووعيد ووعظ وتذكير وقصص وغير ذلك مما ذخرت به آيات القرآن.
فلما قالت الآية بعدها: *( فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ )*، كان هذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على أعباء الرسالة؛ إذ إن الآية سمًت أعباء الرسالة حكمًا لأن الرسالة عن الله تعالى لا تخيير للمرسل في قبولها والاضطلاع بأمورها، لذلك سمَّتها حكمًا، وجاء الأمر بالصبر على هذا الحكم بعد الآية السابقة التي كانت بمثابة التمهيد لهذا الأمر وما يتبعه من مصاعب إصلاح الأمة، وحملها على ما فيه خيرها في العاجل والآجل، والصبر على ما يتلقي صلى الله عليه وسلم من أصناف الأذى في رحلة تبليغه للرسالة، حتى يُتم ما أمره الله به، وقبول ذلك الحُكم وتحمل تبعاته حتى يبلغ صلى الله عليه وسلم منتهى طاقته في تبليغ دعوة ربه سبحانه وتعالى.
وهذا ما ينبغي أن يتعلمه أهل الإيمان من كلمة ( الحُكم ) ليكون النبي صلى الله عليه وسلم هو أسوتهم في ألا تكون لهم الخيرة في أن يقوموا بدورهم في تبليع الرسالة، وأن يقبلوها بمنتهى طاقتهم، وأن يتحملوا أعباءها وأن يصبروا كما صبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما يصيبهم جراء ذلك، إذ إنهم قد علموا أن الله تعالى هو الذي يشد عزائمهم؛ فلا تخور قواهم أو يفشلون ، ولكن يصبرون لحكم الله ولأمر الله وهم واثقون في موعود الله تعالى.
ــــــــــــــــــــــــــــ
من خطب ودروس فضيلة الشيخ / د. محمد الدبيسي. مسجد الهدي المحمدي بالظاهر