إن نظر المرء إلى حلم الله تعالى عليه حال ارتكابه المعصية من الأمور التي تبعث في نفسه الحياء من الله تعالى وتحمله على المسارعة إلى التوبة. فبالرغم من أن الله تعالى مطلع على عبده وهو يعصيه، وقادر على أن يعاجله بالعقوبة على الذنب، وأن يخسف به، وأن ينزل عليه غضبه وسخطه، إلا أنه جل وعلا أمهله ولم يعاقبه، ليعود إليه، وليتوب إليه، وليرفع أكف الندم والضراعة والبكاء إلى الله تبارك وتعالى، وليتنصل من ذنبه، وليندم على ذلك الذنب؛ وليعبد ربه سبحانه وتعالى باسمه الحليم، وليقدم الاعتذار إلى ربه تبارك وتعالى الذي حلم عليه، ولم يؤاخذه، سبحانه وتعالى بالعقوبة حال ذنبه، كما قال: *( وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا ڪَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهۡرِهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَـٰڪِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى )* [ فاطر : ٤٥ ].
وكذلك فإن من كرم الله تعالى ورعايته بالتائبين أنه جل وعلا يقبل منهم الاعتذار، والاعتذار من الذنب يكون باعتراف المرء انه وقع في الذنب لما هو فيه من ضعف النفس عن مقاومة مرض الشهوة، وغلبة الهوى، وقوة الوسوسة، وأن ذلك لم يكن منه أبدًا على إنكار اطلاع الله عليه، ولا جهلًا به، ولا إنكارًا لوعده، ووعيده، ولا تركًا للخوف منه بل هي غلبة النفس، والهوى، والشيطان، ويأخذ في الاعتذار إلى ربه، ليكون هذا الاعتذار على المعنى الذي يفتح له باب معرفته بكرم ربه في قبوله جل وعلا لهذا الاعتذار.
لا شك أن العبادة بعد هذه التوبة وبعد معرفة كرم الله سبحانه وتعالى في قبول الاعتذار يكون لها لون جديد، فيكون المرء محباً لله مكثرا لذكره؛ شاكرًا لكرمه جل وعلا في قبول الاعتذار، قائمًا بحقه سبحانه وتعالى على الوجه الأكمل، إذ يكفيك أن أكرمك ربك سبحانه وتعالى، وأن أحسن إليك، يكفيك أن ترك مؤاخذتك، وعفا عنك بكرمه، وأنت تستحق أن يعاجلك بالعقوبة، وأنت تعلم أنك تبت قبل ذلك ثم رجعت، ثم تبت ورجعت، ثم تبت ورجعت وفي كل مرة يسترك، ويمهلك، ويحلم عليك، والآن قد اعتذرت وقبل هذا الاعتذار بكرمه، وجوده وفتح لك باب معرفته سبحانه وتعالى، فكان منك العهد الأكيد على الاستقامة على طريقه وعلى ألا تعود إلى الذنب أبدًا.
ــــــــــــــــــــــــ
من خطب ودروس فضيلة الشيخ / د. محمد الدبيسي. مسجد الهدي المحمدي بالظاهر