قوله تعالى : *( ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ )* [ آل عمران: ١٣٤ ]، مدح وثناء لهؤلاء الذين ينفقون في حالي الفرح والحزن، إذ لا يكونون متقين إلا أن ينفقوا في السراء وفي الضراء، وفي الصحة وفي المرض وفي الغنى وفي الفقر وفي الكثرة وفي القلة وفي السر وفي العلانية، كما ذكر الله تبارك وتعالى في الآيات العديدة التي بينت قضية الإنفاق .
فالمؤمنون المتقون لا يشغلهم عن الإنفاق فرحهم بشيء من حظوظ الدنيا التي عندما يحصلها المرء ينشغل بها عن شكر المنعم تبارك وتعالى، وكذلك لا يمنعهم الحزن لما نزل عليهم من أقدار الحق جل وعلا عن أن ينفقوا لله تعالى، فلا يقولون نحن في شدة وهذا ليس وقته وغير ذلك من الأعذار التي نتعلل بها، ولكن الإنفاق يكون على بالهم في كل وقت وعلى أية حال؛ إذ إن الضراء إذا نزلت بالمرء فإنها تحمله على الإحساس بحال الفقراء، الذين لا يحصلون شيئًا مما يحصله المرء في حال كونه ميسورا، ولذلك كان الإحساس بهم من خُلُق النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال: *« مَثلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفِهم ، مَثلُ الجسدِ ، إذا اشتكَى منه عضوٌ ، تداعَى له سائرُ الجسدِ بالسَّهرِ والحُمَّى »*، وكذلك كانت النفقة في العسر من أفضل القربات.
إن هذا الدين لا يصلح للقيام بمسؤلياته إلا تلك النفوس السمحة، الباذلة لمالها ووقتها، وجهدها، ونفسها، أما هذه النفوس التي تبخل وتشح على نفسها، فإنها لا تصلح للدنيا ولا للآخرة، ومن رأى في نفسه شيئًا من هذه الأمراض فينبغي عليه أن يجاهد نفسه على التخلص منها ؛ لتخف روحه إلى محبة الله تعالى، وتصفو نفسه فتسارع إلى تحقيق أوامر الله تعالى بالنفقة المتوجهة إليه في آيات القرآن، وأيضًا إلى التأسي بالحال المشرف لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان عليه الصلاة والسلام أجود الناس، وكان يقول : *« لو كان لي مثلُ أُحُدٍ ذهبًا ، لسرَّني ألَّا تمُرَّ عليَّ ثلاثُ ليالٍ وعندي منه شيءٌ ، إلَّا شيئًا أرصُدُه لدَينٍ »* .
ــــــــــــــــــــــــ
من خطب ودروس فضيلة الشيخ / د. محمد الدبيسي. مسجد الهدي المحمدي بالظاهر